علاج الإدمان في المنزل
علاج الإدمان في المنزل

ظهرت مؤخرًا عبارة جديدة تسمى علاج الإدمان في المنزل، وبدأت تنتشر ويسمعها كل من له علاقة بالطب النفسي وعلاج تعاطي المخدرات.

علاج الإدمان في المنزل

الحقيقة أن علاج الإدمان في المنزل موجود وقائم ببعض الدول الغربية ومستهلك منذ التسعينيات، وما حدث أننا تأخرنا عن جلب أنظمته لبعض الوقت، حتى إن الأمر يرجع لدخول مراكز علاج وتأهيل متعاطي المخدرات كطرف وشريك أساسي في حل مشكلة الإدمان.

فالمؤسسات الخاصة تسعى باستمرار لتطوير أدواتها، وكان لزامًا على مراكز علاج الإدمان أن تواجه الأمر الواقع في البلاد العربية، وهو عدم وجوب الحديث عن مشكلة تعاطي المخدرات علانية والإصرار على إنكارها.

فمن وجهة نظر الأغلبية يعتبر تحمل فاتورة ومشقة التعامل مع الابن أو الأخ أو الزوج المدمن أهون كثيرًا من اضطلاع الغير على المشكلة، حتى وإن استلزم الأمر ببعض الأحيان قمع المشاعر لأجل الحفاظ على السمعة والمكانة الاجتماعية.

نتيجة هذه المقدمات صارت معروفة، فلا واقع المدمن يتغير، ولا أسرار تبقى، كلٌ سيدفع ثمن تخاذله وإنكاره عاجلًا أو آجلًا، وسيظل الإدمان يقتل زهرة شبابنا ما لم ننتبه للحقيقة، والحقيقة المقصودة هنا مركبة، بمعنى أنها تتألف من بعض الحقائق التي تجتمع معًا لتشكل بالنهاية مأساة تستعصي على الزوال منذ القرن الماضي.

فكيف لا يحبط من لم يتربى بشكل صحيح على المواجهة بدلًا من الهروب بمجرد أن يتلقى الصدمة الأولى في حياته؟!.. وكيف لمن تركته أسرته يكتسب المعلومات من مصادر مجهولة ومدسوسة أن يقي نفسه مخاطر المخدرات؟!.
لماذا ينجح الغرب في التعامل مع ظاهرة إدمان المخدرات بكل ما يستجد بها، وتفشل أغلب المجتمعات العربية إلا قليلًا؟.. هل لأنهم يؤمنون بأن لكل داء دواء؟.. أم لأننا نحن الذين لا نبحث للمشكلة عن علاج ونعطيها مقدراها من الدراسة والحلول؟

إن استعادة الإنسان المدمن من بين أحضان الإدمان ليس بالأمر السهل، فالشفاء من تعاطي المخدرات عملية مستمرة، تحتاج للدعم الطبي والنفسي والعائلي، والإخلال في أي جزئية من الجزئيات السابقة يعني فشل عملية علاج الإنسان المدمن بشكلٍ كامل.

لمن صممت برامج علاج الإدمان في المنزل؟

صممت برامج علاج الإدمان في المنزل لمن لا يسمح وقتهم بالإقامة في مراكز العلاج، فهناك بعضًا من مرضى الإدمان تحتم عليهم ارتباطاتهم الوظيفية والعائلية أن لا يبتعدوا عنها ولو لأيامٍ معدودة.
فيما لا يستطيع البعض الآخر أن يتحمل تكاليف الإقامة في المراكز لبعض الوقت لأجل تلقي العلاج من إدمان المخدرات.
أطلقت بعض الحكومات الغربية حاليًا برامج تمويل بنكي بفائدة ضئيلة تتيح لكل من يعاني مشكلة الإدمان الحصول على قرض لتسهيل عملية العلاج، على أن يقوم بتسديده عقب الشفاء بعد عودته للعمل والإنتاج بتسهيلات غير محدودة.
بالنسبة للدول العربية فقد جاء هذا النظام مناسبًا للتغلب على عقبة وصمة الإدمان والتي بسببها يظل الملايين أسرى لكيوف لا يعرفون معها طعم الراحة.

سيناريوهات للشفاء على الطريقة الحديثة:

الاعتراف بوجود المشكلة والرغبة في التغيير وعبور الأزمة هي الخطوة الأولى والأساسية للشفاء من الإدمان، وهذا جوهر العلاج بالمنزل.

فعند التخطيط لإعادة تأهيل مدمن المخدرات بالمنزل يطلب منه بالبداية أن يكون مستعدًا للالتزام ببعض الخطوات بما في ذلك التخلي عن نوعية معينة من الأصدقاء.

كذلك يطلب من المريض المشاركة بوضع خطة العلاج، وهذا الأمر يقوده لتحولات نفسية فعالة تسمح لأهدافه الشخصية أن تصعد وتسيطر على الأفكار المُحبطة.

لدى مراكز علاج وتأهيل مدمني المخدرات أطباء قادرون على رسم سيناريوهات يتعاونون خلالها مع المرضى لتسهيل وتقليل مشكلات مراحل الإقلاع الأولى الصعبة.

تجدر الإشارة لوجود بعض أنواع المخدرات التي يكون لآثارها الانسحابية رد فعل عنيف وقوي، ويؤدي ذلك لأزمات بدنية ونفسية تستوجب مراقبة المريض من قبل أخصائي الرعاية الصحية، وهو ما تضعه مراكز علاج الإدمان في الحسبان.
فهي توفر أطقم تمريض يمكنها تقديم الرعاية للمرضى خلال مراحل تراجع وانحسار مستوى السموم بالجسم، بجانب إشرافهم على تطبيق برامج التغذية، وتناول بدائل المخدرات من الأدوية الطبية.

الأهل والأصدقاء جزء من المنظومة وصمام أمان للمريض:

الأهل والأصدقاء الصالحون المقربون جزء لا يتجزأ من منظومة علاج إدمان المخدرات بالمنزل.
فبدعمهم يبعثون بنفس المريض الأمل ويخففون التأثيرات السلبية للعلاج، كما يمثلون له صمام أمام في مقابل مخاطر انصياعه من جديد لأهواء نفسه، ويعيدون التوازن لحياته مجددًا.

التكيف مع الحياة بدون المخدرات:

يمثل علاج الإدمان في المنزل تحديًا للأطباء المعالجين والمرضى على حدٍ سواء، فالبيئة القديمة التي كانت أحد العوامل المساعدة على الوقوع بالمشكلة لم تتغير، كما أن المغريات تظل موجودة.
يستلزم ذلك وضع تصورات وابتكارات لمحاربة الضغوط والسيطرة على الاكتئاب المصاحب للتوقف عن التعاطي.
مراكز تقدم علاج الإدمان في المنزل على طريقتها الخاصة:
تقوم بعض المراكز العلاجية بترتيب علاج إدمان المخدرات في المنازل على طريقتها الخاصة، حيث يحصل المريض بشكلٍ شبه يومي خاصة بالمراحل الأولى على جلسات علاجية بالمركز، بالإضافة إلى بعض الأدوية والإرشادات التي يتناولها ويطبقها بعد عودته لمنزله.
في هذه الحالة يظل المريض يتردد على المركز لبضع ساعات فقط دون أن يُقيم فيه إقامة كاملة.
وطبقًا لهذه الأنظمة العلاجية تتراوح المدة الزمنية لتردد المريض على المركز ما بين 3 ــ 6 شهور، حسب الحالة الصحية والنفسية التي وصل إليها، وكذلك بحسب درجة وسرعة تحسنه واستجابته للعلاج.
تحرص المراكز العلاجية على أن تبدأ جلسات العلاج النفسي بشكل أسرع وفور زوال صدمة التوقف الأولى، وهذا يفيد المريض ويعينه على الاستمرار في التقدم نحو الشفاء بعزيمة أكبر.

الفحص الدوري والمستمر أحد خطوات علاج الادمان في المنزل:

من أجل الاطمئنان على أن كل الأمور تسير بشكل جيد، يَطلُب الأطباء بعمل فحص دوري وتحاليل شاملة بعد مرور فترات معينة على بداية العلاج، للاطمئنان من عدم تعاطي المريض للمخدرات، وللتأكد من عدم تأثير الأدوية على وظائف الكلى والكبد.
بناء قلعة ضد مخاطر الانتكاس:

مريض الإدمان الذي ينجح بواسطة أحد برامج علاج الإدمان في المنزل في التعافي من المخدرات يحتاج للالتزام ببعض القواعد بحياته للحيلولة دون انزلاقه مرة أخرى لحياة الظلام، وضياع كل المجهود الذي بذل.

وعودة متعاطي المخدرات المتعافي للإدمان مرة أخرى يسمى بالانتكاس، وهو الخطر الذي يحتاج لمقاومته ما دام ظل صدره وقلبه ينبضان بالحياة، والانتكاس له أسباب نفسية وجسدية، وبالنسبة للأولى فتعود لطبيعة مرض الإدمان نفسه، وأصدقاء السوء، والبيئة التي يعيش بها المُعافي، بجانب تعرضه لصدمات الحياة مرة أخرى.

أما فيما يتعلق بأسباب الانتكاس البدنية سببها الرئيسي حالة اللهفة والاشتياق التي تنتاب المتعافي تجاه المخدر المفقود.
بالرغم من خطورة الانتكاس على صحة المُعافي ومستقبله، إلا أن دراسات الإدمان وخبرات الأطباء تؤكد إمكانية منع وقوعها، وحصار كل الأعراض المؤدية إليها.

يتحقق هذا الحصار عن طريق التمسك بكل صغيرة وكبيرة يطلبها أطباء الإدمان والمعالجين النفسيين، وألا يُخفي المتعافي على من يقدمون له الرعاية بعض الأمور الخاصة بحياته وسلوكياته والأفكار المرضية التي تدور برأسه حتى لا يُضللهم.
يجب ألا يتردد المتعافي في طلب الدعم الطبي إذا شعر بفقدانه السيطرة على التحكم بنفسه ورغباته، فلا سبيل أمامه سوى اللجوء للمتخصصين لتحييد نوبات مرض الإدمان والتي ستهاجم لا محالة.